بناء الإسلام وروابطه القوية
قوله: (بني الإسلام على خمس) يقول علماء البلاغة: البنيان للمحسوس بأساس وجدار وسقف، والمعنويات ليس لها بناء، إنما لها تعابير وألفاظ تؤديها، ولكن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أوتي جوامع الكلم، وهو أفصح العرب والعجم، فيبين ويوضح ويبرز المعنوي الخفي في صورة المحسوس الملموس، وهذا هو أسلوب القرآن، وجميع تشبيهات القرآن عند علماء البيان من التشبيه التمثيلي الذي مبناه على التشبيه والاستعارة
وهناك العديد من أيات القرأن الكريم تبين ذلك
- {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} [الرعد:١٤].
- {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا} [العنكبوت:٤١].
وهكذا بالقرآن الكريم العديد من الأمثلة التى أتت بالتشبيه التمثيلي الذي مبناه على التشبيه والاستعارة
وهنا فى الحديث يقول (J) في هذا الحديث (بني الإسلام) والإسلام: اعتقادات بالقلب، وأقوال باللسان، وأفعال بالجوارح، وبيَّن بناءه وقوائمه، فلكأن الإسلام بيت، بل هو حصن، ولكنه حصن حصين، وقوائم هذا البيت ليست مسلحة بالحديد، ولا بالحجر والطين، ولا مبنية بالجيرانيت الذي هو أصلب حجر في العالم، ولكنه مبني بأعمال تستقر آثارها في القلب، وهذه الأعمال أقوى تلاحماً وترابطاً في الأمة الإسلامية من البناء الذي يشد بعضه بعضاً (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد) أي: جسد واحد يجمع ملايين المسملين الآن في العالم فيجعل رابطة الإسلام بينهم أقوى من أى رابطة أخرى (كنسب الأبوة والبنوة مثلا)
وهذه الرابطة الإيمانية لم تكن تربط بين بني البشر فقط، بل إنها ربطت بين حملة عرش الرحمن ومؤمني هذه الأمة، بل ربطت بين الإنسان والحيوان، وبين الإنسان والجماد.
فمن روابطها بين حملة العرش والمؤمنين ما جاء في قوله سبحانه: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:٧] أي: برابطة الإيمان بينهما مع اختلاف الجنس، عالم نوراني في الملائكة، وعالم ترابي في البشر
وهذه الرابطة أيضاً ربطت بين المسلمين وبين الحيوانات، بل الوحش من الحيوان كما جاء في الأثر أن الصحابي الجليل الملقب بـ سفينة، وكان عائداً من غزوته فوجد الأسد في الطريق حاجزاً الناس، ولم يستطيعوا أن يمروا، فتقدم إليه وواجهه وقال: أيها الأسد! أنا سفينة صاحب رسول الله، أمرتك أن تجوز عن الطريق، فاجتاز عن الطريق بقدر ما يمروا ومر الناس جميعاً.
شهادة أن لا إله إلا الله
إذاً: (بني الإسلام) فالإسلام بيت شامخ عظيم، وهو حصن حصين لكل من أوى إليه، ولكل من أقام بناءه، ولكل من التزم بأركانه، ما هي تلك الأركان؟
(شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ويقول العلماء: شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن الكفر بكل مألوه سوى الله؛ لأن العرب كانت تعبد آلهة كثيرة، وهي مركبة من قسمين: نفي وإثبات، لا إله: تنفي جميع الألوهية في الوجود، ثم يأتي الإثبات: إلا الله، فتثبت ألوهية واحدة لله الواحد القهار.
ولهذا لا يصح إسلام مسلم إذا كان يشرك مع الله إلهاً آخر، فحقيقة لا إله إلا الله: إفراد الله بالألوهية، ومعنى الألوهية: التأله، ومعنى التأله: المحبة والتعبد، فلا يعبد إلا الله، ثم يأتي مع ذلك يعتقد بوحدانية ذات الله، ووحدانية صفاته وأسمائه، لا يشاركه مخلوق لا في ذاته ولا في صفة من صفاته، ولا في اسم من أسمائه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١] ، يفعل ما يريد وهو رب العالمين.
وأن محمداً رسول الله
وشهادة أن محمداً رسول الله: التزام بشهادة أن محمد صلوات الله وسلامه عليه رسول من الله إلى الخلق؛ لأن الرسالة تقتضي وجود مُرسَل يحمل رسالة، والرسول لا بد له من مُرسِل، ولا بد أن يحمل رسالة يبلغها لمن أرسل إليهم.
فالإيمان برسالة نبينا محمد تتضمن الإيمان بالله مرسلاً، وبالقرآن الذي أرسل به، وبالسنة شارحة للكتاب، ولذا تدخل كل تعاليم الإسلام ضمن شهادة أن محمداً رسول الله؛ لأنك تلتزم بكل ما جاءك به الرسول في تلك الرسالة.
إذاً: الإيمان برسالة رسولنا (صلى الله عليه وسلم) هو الالتزام بكل ما جاء به، ولهذا قال (صلى الله عليه وسلم) : (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) لأنه جاء به من غير رسالة، ولذا يقول مالك رحمه الله: (من سن سنة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة) ، وذلك لأن الله تعالى قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:٣].وهكذا شهادة أن محمداً رسول الله ترد كل بدعة في الإسلام أياً كان موردها.
وإقام الصلاة
فقوله: صلى الله عليه (وإقام الصلاة) وهو أهم شيء في الإسلام، كما جاء عنه (صلى الله عليه وسلم) لما سأله السائل: (أي العمل أفضل؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: الصلاة على وقتها) .
وكما في الحديث الآخر: (والصلاة عماد الدين) فإذا كان البناء من خمسة أعمدة أو خمسة أركان فإن للبيت عموداً في الوسط إذا رفع هذا العمود أقيم البناء، وإذا سقط هذا العمود سقط البناء، والعلماء يعقدون مباحث طويلة، هل الكفر في ترك الصلاة مخرج من الملة أم أنه كفر بالنعم، أو كفر دون كفر؟ فجمهور العلماء: على أنه كفر مخرج من الملة. والبعض يقول: هذا الحديث في عمومه للزجر والوعيد، وقد جاء ما يصرفه عن هذا الظاهر لما جاء عنه (صلى الله عليه وسلم) : (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة، فمن وفاها وأداها بحقها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحفظها ولم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد، إن شاء أدخله الجنة، وإن شاء أدخله النار) فقالوا: هو ممن يدخل تحت المشيئة.
وإيتاء الزكاة:
والزكاة إنما هي في الأموال الزكوية مما تنبت الأرض من الحب والثمار، ومن النقدين الذهب والفضة، وما ناب عنهما من النقود الورقية وأمثالها، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة.
وقد جاء أمر الله سبحانه وتعالى بها، وبين الوعد والوعيد: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة:٢٦١] {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [البقرة:٢٤٥] وجاء: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:١٠٣] يقول العلماء: الطهارة والتزكية بمعنى واحد، ولكن تكون التزكية بمعنى النماء، والتطهير بمعنى النقاء، فهي تزكي مال الغني بما أنفق، وتطهر قلب الفقير من الحقد والحسد على هذا الغني فيما أعطاه الله، فإذا ما أخذ الزكاة كان قلبه طيباً لا يحقد على الغني، بل يتمنى له الزيادة.
وصوم رمضان
وبإجماع المسلمين: أن صوم رمضان على كل بالغ قادر ليس مريضاً ولا مسافراً، على الذكر والأنثى والحر والعبد، فكل بالغ مسلم فعليه الصوم ما لم يقم به مانع أو رخصة.
حج بيت الله الحرام
وفريضة الحج في العمر مرة، أما الصيام فيتكرر بتكرار الشهر، والصلاة تكرر بتكرار أوقاتها: فكلما تكررت الأوقات تكررت الصلاة، وكلما جاء شهر رمضان وجب الصيام.أما حج البيت فقد جاء عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه لما أمر بالحج: (قالوا: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت ولم يجبهم، ثم قال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، الحج في العمر مرة) .
ويقول بعض العلماء: لماذا كان الحج في العمر مرة، مع أن أشهر الحج تتكرر كما يتكرر الصيام بتكرر رمضان؟ قالوا: الحج ليس للأشهر، والأشهر زمن للحج وظرف له، وإنما الحج للبيت والبيت واحدوليس متعدداً.
وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد (صلى الله عليه وسلم).

تعليقات
إرسال تعليق